الأربعاء، 9 يناير 2019

علم البديع.........محمد ابو رزق

اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثاني عشر (12)
في الجناس (تابع)
[ الجناس المعنوي 
أما الجناس المعنوي فإنه ضربان تجنيس إضمار وتجنيس إشارة
ومنهم من سمى تجنيس الإشارة تجنيس الكناية وكل منهما مطابق التسمية
ولم ينظم الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته غير نوع الإضمار وهو أصعب مسلكا من جناس الإشارة ،فإن المعنوي طرفة من طرف الأدب عزيز الوجود جدا.
1) الجناس المضمر
فالمعنوي المضمر: هو أن يضمر الناظم ركني التجنيس ويأتي في الظاهر بما يرادف المضمر للدلالة عليه فإن تعذر المرادف أتى بلفظ فيه كناية لطيفة تدل على المضمر بالمعنى كقول أبي بكر بن عبدون وقد اصطبح بخمرة ترك بعضها إلى الليل فصارت خلا: [ من الطويل]
ألا في سبيل اللهو كأس مدامة **** أتتنا بطعم عهده غير ثابت
حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة **** وأمست كجسم الشنفري بعد ثابت
فبنت بسطام بن قيس كان اسمها الصهباء والشنفري قال
اسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي من بعد حالي لخَلّ
والخَلّ هو الرقيق المهزول فظهر من كناية اللفظ الظاهر جناسان مضمران في صهباء وصهباء وخل وخل وهما في صدر البيت وعجزه،
فكأن الشاعر يريد أن يقول:
حكت الصهباء صبيحة**** وأمست كانها الخَلّ
لكنه أضمر المعنى في الشطر الأول ببنت بسطام واسمها الصهباء،وأضمر المعنى في الشطر الثاني ببيت الشنفرى المتضمن لكلمة الخَلّ.
ومن هنا أخذ الشيخ صفي الدين الحلي وقال: من البسيط]
وكلُّ لَحْظٍ أتى بإسم ابن ذي يزن **** في فَتْكه بالمعنى أو أبى هرم
فابن ذي يزن ملك اليمن المعروف إسمه سيف وأبو هرم إسمه سنان فظهر له جناسان مضمران من كنايات الألفاظ الظاهرة،
فكأنه يريد أن يقول:
وكلّ لحظ سيف **** في فتكه أو سِنان
فبدلا من أن يظهر إسم السيف وإسم سنان أضمرهما في إسمي هذين العَلَمين على المعنى.
2) جناس الإشارة
والضرب الثاني من المعنوي وهو: جناس الإشارة والكناية هو غير الأول وسبب ورود هذا النوع في النظم أن الشاعر يقصد المجانسة في بيته بين الركنين من الجناس فلا يوافقه الوزن على إبرازهما فيضمر الواحد ويعدل بقوته إلى مرادف فيه كناية تدل على الركن المضمر فإن لم يتفق له مرادف الركن المضمر يأتي بلفظة فيها كناية لطيفة تدل عليه وهذا لا يتفق في الكلام المنثور
والذي يدل عليه المرادف قول امرأة من عقيل وقد أراد قومها الرحيل عن بني ثهلان وتوجّه منهم جماعة يُحضرون الإبل وهو: [ من الطويل]
فما مكثنا دام الجَمال عليكما **** بثهلان إلا أن تشد الأباعر
وأرادت أن تجانس بين الجَمال والجِمال فلم يساعدها الوزن ولا القافية فعدلت إلى مرادفة الجمال بالأباعر.
والذي يدل على مضمره اللفظة الظاهرة بالكناية اللطيفة قول دعبل في امرأته سلمى: [ من البسيط]
( إني أحبّكِ حبّاً لو تضمنه **** سَلْمى سَمِيُّكِ ذاك الشاهق الراسي )
فكلمة سلمى في البيت إسم جبل وقارن إسم امرأته سلمى به.
فالكناية اللطيفة في سَمِيُّك ـ أي نظيرك ــ لأنها أشعرت أن الركن المضمر في سلمى يظهر منه جناس الإشارة بين الركن الظاهر والمضمر في سلمى الذي هو إسم امرأته وسلمى الذي هو الجبل.
ومثله قول الآخر
وتحت البراقع مقلوبها **** تدِب على وردِ خَدٍّ ندي
فكنى عن العقارب بمقلوب البراقع ولا شك أن بين اللفظ المصرح به والمكنى عنه تجانسا.
ومن الكنايات بالمرادف قول شرف الدين بن الحلاوي وهو غاية في هذا النوع
وبدت نظائر ثغره في قرطه **** فتشابها متخالفين فأشكلا
فرأيت تحت البدر سالفة الطَّلا **** ورأيت فوق الدر مسكرة الطِّلا
الطَّلا: ولد الظبية
الطِّلا: ما طُبخ من عصير العنب
أراد أن يجانس بين سالفة الطلا وسلافة الطلا فلم يساعده الوزن فعدل بقوته إلى المسكرة وهي مرادفة السلافة وقد تقرر أن الشاعر يريد في هذا النوع إظهار الركنين فلا يساعده الوزن فيعدل بحسن تصرفه إلى مرادفه.
المصادر:
كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837ه
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق