الاثنين، 16 أبريل 2018

أعنّة الحياة... بقلم الشاعر مهدي علي رستم

.....أعنّة الحياة...
.....
في سكينة الليل الموحشة عندما تعانق المخلوقات طيف الكرى البعيد..،أسهر مترنمًا تارة..متنهدًا أُخرى
حيث النوم يعانق أرواح البشر ويتولو على مسامعهم اناشيد الخلود...،أقلب صفحات الليل في مضجعي البارد.،أتكئ على ذراعي الأيسر وأجثو مقبلًا شفاه الماضي...،الشوق ينطوي بسكونه فيهزهز ذاكرتي
فتختلج مشاعري وتفيض براكين الدمع
والليل يبدأ بسهرة لا تنتهي من الأوجاع 
عقارب الساعة صُيرت أزمانٌ 
وكآلام الثكلى أعدُ الدقائق وأنتحب مهلهلًا بفراق كل ساعة تركت ذكرى عقيمة
لا تلد ليّ سِوى الحنين المعتق....
ذِكرى تركت ندبةً لا تشتفي منها ذاكرتي...
الفاجعة التي حصلت معي في بُهرة النهار 
منذ سماعي قصة هذا الطفل الرضيع
هو طفل أعانه الله في صغره
فتخلى عنه أهله وتبرأوا منهُ.........
منذ إنبلاج شمس الحق والمعرفة 
منذ نعومة أظافره وهو يلقى حتفه
ماذنبه إذ تكالبت همْوم الدَّهر عليه
 فوجد نفسه أمام ملجأ الأيتام....
أمام هذا الكون الوسيع الذي تشاطره دنيانا 
بهمومها وبمتاعبها..، هناك رجل وامرأة 
قد هدهما الإنتظار والشوق لفلذة كبدهما
رأيت ذلك الشيخ العجوز محني الظهر كورقة خريف ملقاة في أزقة العوالم الخارجية..
محملًا بمتاعب الدهر..
يدٌ بها طعام ويدٌ بها دواء
وكأن آلامي طرحت بين يديه..،هممت مسرعا إليه تبسم بوجهي قليلا حملت تلك المتاعب وذهبنا الى بيته الغارق بالظلام والأنين
هناك كانت زوجته تنتظره ملقاة على فراش الموت وجهها شاحب كصفرة الخريف
دخلنا المنزل ووضعت الأغراض بكاملها في المطبخ وعدت كي ألقى حتفي من وجعهم
قالت لي وكان صوتها ممزوج بلدغة الحنين
إنظر.. إنظر كم هو جميل إنه ولدي
ما هو أسمه..يدَّعي الرحيل في كامل وعيه
كنتُ متلهفة لسماع صوته فيقول لي..
انا عابرٌ وأنتظر الرحيل..
حدثته في صغره منذ تكوين الأحرف في شفتيه وهنا إنفرج شغاف قلبي لسماعي أول كلمة لفظها أمام تداعيات حشرجات الزمن المحملة والمكبتة بصراع البقاء...
دنى مني خائفًا يَلوز بالبقاء لا مثيل له....
نواة قلبي شُطِرتْ نِصفين أيسرها يعتليني بالصخب ويمينها يشدني إلى السير ورائه
وأين هوَّ الآن......
وكأنني أقمتُ الحدَّ في سؤالي لها
تبلورت الدمعة في عينيها وقالت 
لقد أخذه أباه الحقيقي بعد ثماني سنوات
قد أخذ معيننا في كبرتنا وطفلنا في صغرنا
ذابت حشيشتي واضمحلت في غياهب الأزمان ماذنبي إذا كان الماضي قد أزاح نقابهُ عن كِلتا عينيه ليريني كلَّ ليلة صورهُ وأسمع أنينهُ في أروقة البيت وكانه يناديني..
قال لي زوجها تعالَّ معيّ قليلًا
إنظر إلى تلك الألعاب وتلك الآريكات
أعدتتها له وأنا أنتظره كي يعود....
 إنطوى السكون عليّ تعلثمت شفتاي
 كطفلٍ رضيع تدفق على شفتيه
قطراتٍ من صَبغ الحنين والرجوع....
في آخر لحظات الوداع قالت لي....
من كان على العهد فلا يَخل....
ومن أراد الرحيل طوعًا لا قسوة
لا أجبره فمن نشأ على ذراعي صغيرًا
سَيشب ويدرك لجة الفراق...
أخذتُ وجهي قبيل النافذة المطلة على الشوراع
 كيلا أرى حُمم الدمع المنصهرة من أعينهم..
جالستهما قليلًا ووعدتهما بأن أطل عليهم كل يوم  وكل هنيهة..
بصمتٍ لا يختلج له المدى 
أزفرت متنهدًا لا حول ليّ ولا قوة
 وعدتُ وحيدًا وصدري ممتلئ بالصراخ..
      

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق