اللغة العربية: إبداع وإمتاع وإقناع
علم البديع
دروس مهمة لكل شاعر وكاتب وأديب
الدرس الثالث عشر (13)
مراجعة الدروس السابقة في الجناس
الجزء الأول:
في هذا الدرس سأقوم بمراجعة عامّة للدروس السابقة عن الجناس مع تلخيصها نظرا لكثرة أنواعه حتى يتمكن القارئ من ضبطه وفهمه جيدا ولا يبقى هناك أي لُبس.
الجزء الأول
تعريف الجناس
أما هذا النوع فإنه ما سُمي جناسا إلا لمجيء حروف ألفاظه من جنس واحد ومادة واحدة ولا يشترط فيه تماثل جميع الحروف بل يكفي في التماثل ما تعرف به المجانسة
ومنهم من يسميه التجنيس أو التجانس
وذلك لأن إحدى الكلمتين إذا تشابهت بالأخرى وقعت بينهما مفاعلة الجنسية
وأنواعه: المُركّب، والمُطْلق، والمُذيل، واللاحق، والتام، والمُطرّف والمُحرّف، والمُصحّف، والمُلفّق، واللفظي، والمقلوب، والمعنوي.
فالكلمتان في الجناس هما من جنس واحد، ومادة واحدة، ولكن قد تختلفان فتكون إحداهما مركبة والأخرى مفردة، أو مركبتين معا، أو مختلفتان من حيث التنقيط، أو الحركات أو من حيث مخارج الحروف أو من حيث المعنى، إلخ.
1) المركب
وهو :أن يكون أحد الركنين كلمة مفردة والأخرى مركبة من كلمتين وهو على ضربين:
ــ فالأول: ما تشابه لفظا وخطا كقول الشاعر :[من مجزوء الرّمل]
عضّنا الدهرُ بنابِه ... ليتَ ما حلّ بنا به
بنابه: أي الناب وهي كلمة مفردة
بنا به : وهي مركبة من كلمتين حرف جر وضمير الجمع ثم حرف الجر وضمير الغائب
والركنان متشابهان لفظا وخطا ومختلفان في المعنى.
ومنه قول الشاعر:
دققت الباب حتّى كلّ متني **** فلمّا كلّ متني كلّمتني
كلّ متني: مركبة من كلمتين وتعني تعب متنه
كلّمتني: كلمة مفردة وتعني الكلام
وهما متشابهان في الخط واللفظ ومختلفان في المعنى.
ــ والثاني: ما تشابه لفظا لا خطا ويسمى المفروق وهو الذي نظمه صفي الدين في بديعيته كقول الشاعر:[من الكامل]
لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تكن بالغت في تهذيبها
وإذا عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه منك وساوسا تهذي بها
تهذيبها: كلمة مفردة وتعني التهذيب
تهذي بها: كلمة مركبة وتعني الهذيان
والركنان متشابهان لفظا ومختلفان خطا ومعنى
ــ ومن أنواع الجناس المركب نوع يسمى: ( المَرْفُوّ ) وهو أن يكون أحد الركنين جزءا مستقلا والآخر مجزأ من كلمة أخرى كقول الحريري
( والمَكْرُ مهما استطعتَ لا تأتِه ... لتقتني السؤدد والمَكْرُمَه )
فكلمة (المكر مهما) مجزء من كلمة أخرى، و(المكرمه) من جزء مستقل وبينهما تجانس في اللفظ واختلاف في المعنى.
2) الجناس الملفق
وهو ما كان اللّفظان كلاهما مركّباً، كقول الشاعر [من الوافر]:
فلم تضع الأعادي قدر شأني **** ولا قـالوا فلان قد رشاني
الاول: مركّب من (قدر) ومن (شأني)..... والثاني: مركّب من (قد) ومن (رشاني).
وعلى هذا فالجناس المركب يكون أحد ركنيه كلمة مركبة والأخرى مفردة.
والملفق يكون اللفظان كلاهما مركبا. وهذا هو الفرق بينهما.
3) الجناس المطلق
وهو توافق اللفظين في الحروف وترتيبها، بدون أن يجمعهما اشتقاق،
كقوله تعالى ( وإن يُرِدْكَ بخير فلا رادّ لفضله ) وكقوله تعالى ( لِيُرِيَه كيف يُوارِي سوأة أخيه )
فكلمة يردك موافقة لكلمة لا رادّ في الحروف والترتيب وليست مشتقة منها، لأن كلمة يُردك من الإرادة ، وكلمة لا رادّ من الرّدّ
وكذلك كلمة يريه مع يواري.
فكلمة يريه : من الرؤيا ومعناها ليعلّمه
وكلمة يواري: من المواراة وهي الستر والدفن.
وما أحلى قول أبي فراس في هذا النوع: [من البسيط]
فما السلاف ازدهتني بل سوالفه ... ولا الشمول دهتني بل شمائله
والفرق بينه وبين المشتق أن المشتق تكون كلماته من أصل واحد كقوله تعالى : ( ومن شر حاسد إذا حسد) فإن كلمة حاسد مشتقة من حسد وهذا لا يسمى جناسا، وإنما هو إشتقاق
4) الجناس المذيل
وهو ما يكون الإختلاف بأكثر من حرفين في آخره، كقوله
كقول كعب بن زهير: [من الكامل]
ولقد عَلِمْتِ وأنتِ خيرُ عليمةٍ ... أن لا يُقرّبني الهَوَى لِهَوانِ
فقد قال "الهوى" ثم زاد نونا في آخره فأصبحت "هوان"
وما ألطف من قال: [ من الكامل ]
وسألتُها بإشارة عن حالها ... وعليَّ فيها للوشاة عُيونُ
فتنفستْ صُعداً وقالت ما الهوى ... إلا الهوانُ فزال عنه النونُ
فالمذيل هو أن تحتفظ بنفس الكلمة وتزيد حرفا في آخرها تجانسها ولكنها تعطيك معنى آخر.
5) الجناس المُطرّف
الجناس المطرف فهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفا في طرفه الأول وهذا هو الفرق بينه وبين المذيل فإن الزيادة في المذيل تكون في آخره وأما المطرف فتكون زيادته في أوله لتصير له كالطرف ويسمى الناقص والمردف وفي تسميته اختلاف كثير ولكن مطابقة المطرف في التسمية طرفة كقوله تعالى ( والتفّت السّاقُ بالسّاقِ إلى ربك يومئذ المَساقُ )
السّاق = المساق
الزيادة وقعت في أول الكلمة حيث زيدت الميم
والزيادة تارة تكون في أول الركن الثاني كما تقدم وتارة في أول الركن الأول
كقول الشاعر: [من الطويل]
وكم سبقت منه إلي عوارف **** ثنائي على تلك العوارف وارف
وكم غرر من بره ولطائف **** فشكري على تلك اللطائف طائف
العوارف = وارف
اللطائف = طائف
6) الجناس اللاحق
الجناس اللاحق هو ما أبدل من أحد ركنيه حرف من غير مخرجه كقوله تعالى ( فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر )
فكلمتا: تقهر وتنهر بهما القاف والنون وهما ليستا من نفس المخرج.فإن القاف مخرجها أقصى الحلق، والنون مخرجها من طرف اللسان..
ومن النظم قول البحتري وأجاد إلى الغاية: [من الخفيف]
عجب الناس لاعتزالي وفي الأط **** ــراف تُلفى منازل الأشراف
وقعودي عن التقلب والأر **** ضُ لمثلي رحيبة الأكناف
ليس عن ثروة بلغت مداها **** غير أني امرؤ كفاني كفافي
كلمتا: كفاني وكفافي هو اللاحق الذي لا يلحق
وكذلك كلمتا: الأطراف والأشراف في البيت الأول
وهذا هو الفرق بينه وبين المضارع ، فإن المضارع هو ما أبدل أحد ركنيه حرف من نفس المخرج كقوله تعالى : (وهم يَنهوْن عنه ويَنئوْن عنه)، فإن الهاء والهمزة من نفس المخرج وهو الحلق، وكقوله صلى الله عليه وسلم: (الخيل معقود بنواصيها الخير)
فكلمتا الخيل والخير بهما اللام والراء وهما من مخرج واحد
المصادر: كتاب البديع في البديع لابن المعتز ت247ه
العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق القيرواني ت390ه
زهر الآداب للحصري القيرواني ت453ه
خزانة الأدب لابن حجة الحموي ت837هبؤ
أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم الحسني ت 1119ه
جمع وإعداد وتقديم: محمد أبورزق
يُتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق