كانت:
رأيتها لأول مرة وهى تسطر بإصبعها الرقيقة بعض الكلمات بينما كانت فى الحقيقة تسطر ها هنا ملحمة من الصمت والذهول السرمدى بين أنحاء قلبى الوحيد والغريب أيضا، وحيث نامت خصلتها الرقيقة والفاحمة جدا على صدغيها وتأزرت بوجنتيها كأنما تحتميان من العالم كله وترتعدان أو ترتعشان لا أدرى أيهما كانت، وحيث جامعة المنصورة والتى لا يدانيها شىء فى قلبى
مرة واحدة فقط لكنها تركت أثرا غريبا وبصمة من النسيم القلق والوجود السادر الذى لا يوصف، حاولت أن أراها بعد فلم أجدها كأنها قطعة من القمر غشانا لحظة بنوره وارتحل إلى العلاء مرة أخرى بين أبناء عالمه الفوقى، كانت كل كلمة تنحتها نهرا يشق طريقه بين الصحراء ويرتمى إلى أقصى ما يمكن على ضفتىّ المتكسرتين بلا معنى، كأنما توقظنى من سبات طويل وتجرنى جرا إلى أعمق ما يمكن من قعر النهر
تذكرت نعم حين حاولت بطريقتى العابثة والطفولية أن أستجرها للحديث، سألتها عن أشياء لا قيمة لها، كانت تجيب ببطء وحذر شديدين، بينما انسدل شعرها الداكن الفاحم والغزير أكثر على وجنتيها وعينيها، كان كل أملى أن أراها أن أبصر عينيها وأتمدد فيهما حتى الصباح، شعرت بارتعاشة كالموت وهى تلتفت بنهر عينيها لتزجه وسط مرفئ محطم كسير
وظللت أبحث عن كلمات أية كلمات أية فوضى أى زمان آخر يعيننى وقلب آخر يقوى على هذا الدفق اللامتناهى، فرشقتنى بلحظ كالسهام مجرد نظرة فاحصة أو عابرة محددة وشاخصة صادتنى إلى أبعد ما يمكن لصائد أن يفعل دون ألم ودون دماء غير تدفق شرايينى حينئذ بدم آخر لا أفهم كنهه حتى الآن
لا ليست ككل النساء تلك ليست ككل البشر، إنها نوع آخر لحن آخر يستحيى أن يعلن نفسه وسط صخب العالم وضوضائه، فمن أنت إذن؟
فتشت ونقبت وحاولت مرة أخرى أن أراها ولو للحظة، وتذكرت حيث تسمرت قدماى أول مرة وتجمدت لا تريد الرحيل وترفض المغادرة، حتى أناملها وهى تكتب حتى أصابعها الرشيقة تستأثر بما لا نعرف ولم نذق من قبل، عذبتنى هذه الأصابع وحيرتنى، كدت أن أمسك بها، كدت أجن، كدت أطيش، ما الذى جرى لى حينئذ؟ لست أدرى، لم أكن بهذه الجرأة قط حتى أفكر مجرد تفكير فى شىء كهذا، فقد عانيت الوحدة طيلة حياتى بمحض إرادتى، لكنها أخرجتنى من سباتى نعم ومزقتنى إربا حددت لى وجودى من جديد كأننى أولد حالا اليوم فقط الآن فقط
ترى ماذا أصنع إن أمسكت بهذه الأصابع والأنامل الرقيقة؟ ترانى سأرسمها فورا وأقبلها إلى أبعد قبلة كالموت هى؟، وأفركها برقة بين أصابعى كالوردة لتفوح بين يدى عطرا ومسكا وما لا أعرفه؟
يا لها من محاولة عاثرة بائسة ومضنية أيضا!، لابد أنها أرستقراطية أيضا بل جدا، لكن هدوءها الحذر وملامحها الرومانسية الحالمة ترفض أن تنضم إلى أرستقراطية من نعرفهم وعرفناهم كثيرا من قبل، إنها كتلة من الوجود الحقيقى ولوحة من العالم الأسمى
تركتها يومئذ منسحبا بأقدام بطيئة جدا لا تريد أن تزول وابتعدت شيئا ما، رأيت السماء ساجية كأنما هى مبتلة من عطر شعرها الغزير غائمة من سواده الفاحم الرائع، رأيت كل شىء يبدو هادئا جدا والكون كأنه معزوفة من الوجد الرقيق، كانت السماء حقا هادئة كل شىء هادئ، كنا ما نزال فى فصل الشتاء، هل ستمطر حقا؟ كل شىء مهيأ لهذا
وفى اليوم التالى فتشت عنها لم أجدها ثم يوم آخر وآخر، حاولت بكل طريق أن أعثر عليها، لكن لا وجود لها، ماذا أصنع؟ فقدتها سريعا هكذا سريعا جدا، لم أجد سوى الكلمات لأقول فيها شعرا حزينا غريبا طعمه غريبا كله كغربة هذا اللقاء العابر والأبدى أيضا، لكنها بقيت ها هنا وحتى اليوم كرسم أو نقش غائر فى حفرة القلب لا يزول
بقلم
هشام السيد القن
جميل جدا شكرا
ردحذف