السبت، 10 نوفمبر 2018

وهبتك عمري /للشاعرة منية بن الامام

وهبتك عمري
🍀🍀
قالت "صباح الخير كيف حالك اليوم؟ و كيف اصبحت؟" و أضافت و هي ترمي بالغطاء الزهري بعيدا" و كيف كيف بالله عليك تتهور و تمضي الساعات على طريق العودة بعد ايام عمل مضنية و تعب  و فكر مشوش؟ هل تراك ترى نفسك لا تزال في عز شبابك ام تراك تريد الانتحار ؟ ام تراك لا تهتم بما حولك و لما حولك؟"  و لم تسكت شفتا زهراء على الكلام ، تغلي كالقدر المحموم و تتفوه بكل ما يخطر في قلبها و لم تقدر على مواجهته به اللياة الماضية. و عبد الستار ينظر اليها بابتسامة و لا بقدر أن يلجم بركان ثورتها و لا عباراتها ،و التي يراها هذا الصباح وجيهة و في محلها و هو يحاول أن يسكت احتجاجاتها دون جدوى.
اتخت لنفسها مكانا حذو قلبه و هي تضع كفها على صدره و تستمع الى دقاته منتظمة و منظبطة " اسمع عبده لن استطيع أن اجاري جنوحك الى المخاطرة ، انت لا تستمع الى نصائحي و لا الى توسلاتي و لا الى المنطق ، انت عنيد اعند حتى من راسي .... ثم اتكأت عليه واحتضنت شوقه الصريح جدا و أضافت " فكر بي، أن انت تهورت و ما همتك حياتك ، من سيهتم بي ؟, و من لي! و اي قلب سيغمرني و اي رجل سيتحمل تقلبات مزاجي و استقلاليتي و ثورتي و لامبالاتي.؟!"
عندها فقط قال عبدالستار بصوت خافت " عزيزتي انت محقة و انا اسف ، ما كان علي أن اغامر بصحتي بتلك الطريقة عذري اني مشتاق و بي لوعة و لم يقدر فؤادي على الانتظار حتى يبتسم الفجر ، ثم و بصراحة تخيلت اني سافتح عيني لاجدك بجانبي فكان الاغراء قويا و ساحرا!" . واختبأ عبده بزهراء يتنفس رائحتها و يشتم عبيرها و يبحث عن ذاك الدفئ و تلك الطمانينة و ذاك الحب " آه كم افتقدتك و كم اشتاق اليك و كم....
و صمت الرجل ممسكا بقلبه و قد احتقن وجهه و اغتسل عرقا انقبضت اساريره وازداد به الالم و زهراء لا تعي ما تفعل لهول المفاجأة و قسوة المشهد.
عندما افاقت على آذان الفجر في صمت الليل و خشوع السكينة ايقنت زهراء انها لم تكن تحلم و انه لم يكن كابوسا و أن عبده يرقد الان في المستشفى بعد أن تأزمت حالته الصحيه من ضغط الحياة و ساعات العمل التي لا تنتهي ! تدثرت بثوبها البنفسجي الحريري و خرجت الى الشرفة تتامل المنظر النائم امامها و فوانيس الانارة تتنحى تدريجيا امام فوانيس السماء و خيوط وردية بدأت تغازل الأفق لتنسكب بعد ردهات من الزمن و تخلي مكانها الى قلب الشمس لتبسط اشعتها ككل ايام الربيع بهذا البلد الدافئ. و اتكأت زهراء على الحائط تستنشق ذاك النسيم البحري الرطب ملئ رئتيها و تفكر في مستجدات الساعات الاخيرة و اللحظات العصيبة التي مرت عليها حتى اطمأنت على صحة عبد الستار .
أنسكبت على وجنتيها بعض القطرات خالتها مطرات في البدئ حتى اكتشفت أن عيونها تتكلم بصمت  و تترجم عن حالة البؤس التي تعيشها . و مر امامها شريط لا يزال غضا، شريط رحيل والدها و النوبة  القلبية التي مر بها قبل أن يقرر المغادرة . لم يكن اباها مريضا و ما كان يشتكي من اي قلب بصدره و لا بقلبه ، و مع هذا و في أول انذار لم يتردد في وداعه و زهراء لا تزال تتذكر كيف وضع كفه بكفها و هو يهمس لها " اود الرجوع الى البيت ، خذوني الي البيت" وطوقت ذراعيها حول صدرها و تركت العنان لعبراتها تنزل وهي تشعر بالوحدة  و الحرمان . هل كانت ازمة عبده متشابهة لازمة والدها؟ هل يمكن للقدر أن يحرمها ممن ارتكزوا بعمرها و اسسوا لها هذا البنيان المرصوص و الذي يحاول كل من تقرب منها بان يهزه و يزعزع كيانه؟ وازدادت التصاقا بدثارها وهي تحاول جاهدة بان تبعد هذه الهواجس من مخيلتها وبان تثق بالايام و بالسعادة اكثر و بان تعزز ايمانها بقدرة الخالق و بمحبته لها و برحمته لعباده الضعفاء و للمؤمنين . و هي مؤمنة و تعلم انه لن يصيبها  الا ما كتب الله لها و لكن الشيطان ابى الا أن يدغدغ مسلماتها و صار يصور لها مآسي و فواجع و بؤس ايام تنتظرها على قارعة الحياة.ولجت غرفتها بعد أن ثلحت اطراف اصابعها وهي التي عادة ما تشكو من تجمدها لخلل في هرموناتها . و حملت جوالها .. انها لا تزال السادسة صباحا ، هل تكلمه؟ هل تذهب اليه؟ هل هو نائما ؟ هل قلق عليها؟ هل فكر بها و بيومها الحزين؟ ذاك هو السؤال الذي لبسها و حرمها النوم و منع عنها الراحة و الطمانينة! ماذا لو يصمد قلبه؟ ماذا لو رحل و لم يعرف الحقيقة ؟ كانت ستخبره البارحة و كانت تتوقع بان يقفز قلب فرحا, لم تكن تعلم ان الاحداث يمكن أن تأخذ منعرجا لم تقرا له حسابا البتة! كيف تخبره الان وهو وسط جدران بيضاء على سرير ابيض ؟ و كيف تزف له اخبارها المبهجة ؟ و كيف ستنتظر حتى يشفى و يسترد عافيته و هل لها كل هذا الصبر فتصمت عما يجيش  بصدرها و تخرسه في انتظار اللحظة الحاسمة. كانت زهراء تخيط البيت  جيئة و ذهابا في كل الاتجاهات وهي تحاول أن تجد حلا لكل هذه التساؤلات و هذه الحيرة البائسة تستلذ المقام بكيانها و تكتسح المكان بشماتة لا مجال للشك فيها. القت نظرة اخرى على الهاتف ، ترددت للحظة ثم استبدلت ثوبها البيتي ورمت بكل اوراقها و مفاتيحها بحقيبتها بلا تمهل و لا نظام و خرجت تبحث عن تاكسي ليقلها اليه. خرجت تبحث عن ملاك ليرأف بحالتها و يهون هول الخطب عنها ، خرجت زهراء لمصيرها و للقدر الذي كان ينتظر أن تعتب  عتبة البيت الاولى الى الشارع ليرحب بقدومها الى عالم اخر ، عالم أرحم من ذاك الذي استحملته طيلة   سنين. رحلت زهراء و ما كانت تعلم برحيلها. جاء من غير موعد هكذا بلا انذار و بلا مقدمات ، رحلت و رحل معها الم و عذاب و شكوك و قسوة و سرها الذي خرجت من اجله الى الابد ! لم يكن دعاء زهراء و لا تضرعها الى الله صحيحا نحويا او كان منطقيا او حتى لغويا ، كانت تبتهل الى السماء وهي تقول " يا رب هبه عمري ، دعه يعيش "
هل كان عليها أن تقول " يا رب هبه نصف عمري او ثلث عمري " او حتى " دعه يعيش لي فقط ؟ فنحن لا نعلم متى و كيف تفتح ابواب السماء و تقبل ادعيتنا ! رحلت الزهراء و قد وهبته عمرها !! ما بقي من عمرها . لم تظهر لنفسها شيئا و لا حتى يوما وحيدا تراه عينيها و تخبئ رأسها فيه فيحتوي المها و تتلذذ لمرة أخيرة أن تكون حواءه!
☘☘
انتهى
منية بن الامام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق