قة الوصف ومطابقة الصورة
في وصف الليل في معلقة امرؤالقيس
بقلم / فايز الخطيب
***************************
وليل كموج البحر أرخى سدوله
علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه
وأردف اعجازا وناء بكلكل
ألا ايها الليل الطويل الا إنجل
بصبح وما الإصباح منك بامثل
فيالك من ليل كأن نجومه
بكل مغار الفتل شدت بيذبل
امرؤالقيس شاعر جاهلي عاش قبل الإسلام بقرن ونصف وهو كبير شعراء عصره بل هو الشاعر العربي الأول في الجاهلية وشعره مكتمل الأداة ومتميز عمن جاؤوا بعده بجمال التعبير ودقة الصورة وغرابة رسمها واكتمال الذوق الفني في تصويرها
يعد شعره نموذج مثالي لشعر تلك الحقبة من عصور ادبنا العربي
لقد جسد الشعر الجاهلي لغة عصره وسلوك مجتمعه وعاداتهم وتقاليدهم وتفاصيل الحياة اليومية بكل بساطة ووضوح فكان مرٱة تعكس صورة الواقع بالفاظ سهلة ودقيقة
والفاظ الشعر الجاهلي ليست جزلة كما راى ذلك بعض النقاد
فالمعيارالذي قيست به مفردات الشعر الجاهلي كان في العصر الأموي وهو العصر الذي جمع فيه الشعر الجاهلي
وكانت الفجوة الزمنية بين العصرين قد احدثت فارق في الطبقة اللغوية
وكان الشاعر الجاهلي يتحدث بلغة الحياة اليومية بكل بساطة ووضوح
و اهتمام الشاعر الجاهلي في رسم الصور البلاغية للوصول الى المعنى وتقريبه في ذهن السامع بصورة حسية انما هي ظاهرة شعرية جمالية تزيد من قيمة العمل الفني الذي يقدمة وتعمق المعنى وكما كانت الفاظة قريبة وسهله كانت ايضا الشعور من وحي الواقع كما يرسمه خياله التصويري
لم يكن علم البلاغة قد تاسس في عصرهم كعلم قائم بذاته ومنهج له اصوله وقواعده وإنما الحس اللغوي لدى الشاعر الجاهلي هو الذي استدعى استحضار الصور البلاغية ليكتمل البناء الفني للقصيدة
ولما تاسس علم البلاغة في العصر العباسي على يد عبد القاهر الجرجاني صاحب ( اسرار البلاغة ) و ( دلائل الاعجاز ) زاد الحرص من استعمال الصور البلاغية ونالت القصيدة نصيب وافر من الصور حتى
أن البعض غالى في استعمالها عن الحد المالوف والمسموح و خرجت بعض الصور عن العفوية وتجردت البعض من الجمال الفني الى صور مبتذلة وفي العصور الوسطى صارة صناعة وتكلف القت بحملها على المضمون مما اضعف النص وجمد حركة الإبداع واصبحت القصيدة اشبه بلوحة فنية يحاول الشاعر ان يضع فيها كل الالوان
أما الشاعر الجاهلي استعمل الصور بعفوية وحسب مقتضى المدلول
ورسمها من واقع الحياة كما يراها بالعين المجردة فعينه عدسة تلتقط الصور ثم تجسدها في الخيال لينطلق الخيال من وحي الواقع الملموس ولازم هذا الظل ولم يحلق بالخيال الى أفق بعيد عن محيطة البيئي
والشاعر امرؤالقيس تميز في رسم الصور البلاغية بعبقرية فذة لانظير لها عند شعراء عصره والابيات التي تناولناها هي تجسيد لمهارة امرؤالقيس لهذا الرسم وهي من معلقته الشهيرة وقد تناول فيها وصف الليل حيث شبهه بموج البحر وهي حالة فريدة في الشعر الجاهلي ان يتناول البحر في رسم الصورة ليسقط من خلالها وصفا دقيقا عن حالته النفسيه التي تصارعها الهموم
لقد رأى الاستاذ / علي جودة
أن التشبيه غير ملائم في هذه الصورة
لأن الشاعر حسب رأيه شبه الرحب الواسع بالمحدود حيث شبه الليل بالجمل فالصفة في المشبه به أقل
حيث من الازم أن تكون الصفة في المشبه به اقوى
والحقيقه أنه لم يشبه الليل بالجمل
وإنما شبه الليل بموج البحر
والبحرفي نظر الشاعر امتداد لا متناهي أما التشبيه في الجمل اتي بعد تشبيه الليل بموج البحر وهي صورة جزئية لحركة امتداد صور فيها الشاعر حركة إمتداد الليل وجثمانه على صدره بالهموم بحركة الجمل عندما يجلس على الارض ويطبق عليها حيث اراد بها ملائمة الصورة الأولى ومطابقتها لغرض تقوية المعنى وتقريبه في ذهن السامع
وهنا تكمن عبقرية الشاعر في اختار هذه الصورة
فلماذا اختار حركة جلوس الجمل
فقلت له لما تمطى بصلبه
وأردف اعازا وناء بكلكل
إن هذه الصورة تتطابق مع حركة الموج فالجمل عندما يجلس يمتد للخلف ثم الى الامام ( واردف اعاجزا وناء بكلكل ) وهذة الحركة تشبه تماما حركة موج البحر
وبذلك يكون قد رسم لنا بعبقريه وحس تصوبري فريد حجم هذا الهم الذي ينازله
فايز الخطيب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق